حكومة إقليم كردستان والخيار الصعب

 

كتابات - جمعة العطواني

 

يمر الإخوة في إقليم كردستان بوضع سياسي صعب أو بتعبير اصح بين خيارين أحلاهما مر .

ففي الوقت الذي يرى المسئولون الأكراد أن من حق حزب ( العمال الكردستاني ) الدفاع عن حقوقه ( المهضومة) من قبل الحكومة التركية ويتمنون لهم أن تتوج جهودهم  ومواقفهم  العسكرية بحصولهم على نفس الحقوق التي حصل عليها أكراد العراق .

لهذا يقف المسئولون في إقليم كردستان العراق بالتأييد الخجول والتعاطف الواضح مع ما يطمح إليه ( الباككه)وبخاصة وهم يشعرون بضرورة الوقوف معهم ولو من باب( رد الدين ) الناتج من وقوف حزب العمال التركي إلى جانب أكراد العراق إبان نضالهم ضد النظام ألبعثي .

إذا وحدة الانتماء القومي وحق الأكراد في تقرير مصيرهم و( الهدف الاستراتيجي ) في مشروع الدولة القومية الكردية الذي مزقه مشروع ( سيكس بيكو ) والتعاون اللوجستي بين الطرفين الكرديين ( العراق والتركي ) كل هذه الأسباب تجعل أكراد العراق يرفضون دخول القوات التركية  الأراضي العراقية لأنها تعد ذلك  ( انتهاكا للسيادة العراقية من جهة ) وحق الأكراد في تقرير مصيرهم من جهة أخرى .

ولكن هذه المواقف القومية والتعاطف الاجتماعي بين الطرفين تتقاطع مع الدستور العراقي والرأي الحكومي العراقي .

 فالدستور يؤكد على عدم السماح لأي جماعة مسلحة اتخاذ الأراضي العراقية منطلقا  للقيام بعمليات مسلحة ضد أي دولة من دول الجوار وغيرها من الدول الأخرى, كما لا يحق لأي دولة أن تجعل من أراضيها منطلقا لقيام الجماعات الإرهابية المسلحة ضد دولة العراق .

كما ينبغي الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي قد وضع ( حزب العمال الكردستاني ) في لائحة المنظمات الإرهابية .

أمام هذا المفترق نجد التخبط والتناقض في مواقف السادة المسئولين في إقليم كردستان العراق وحتى بعض النواب الأكراد في البرلمان العراقي,  فمنهم من يطالب الحكومة التدخل لمنع الحكومة التركية ضرب حزب العمال الكردستاني التركي باعتبارها المسئولة عن امن الأراضي العراقية وان إقليم كردستان جزء لا يتجزأ من العراق, بينما نجده ( البعض)  يرفض اتفاق الحكومة  العراقية مع الحكومة التركية ويطالب بان يكون الاتفاق مع الأتراك من خلال حكومة إقليم كردستان باعتباره المعنية بالدفاع عن إقليمها , وفي الوقت نفسه يرفض أن يعد حزب ( البككه ) حزبا إرهابيا للأسباب آنفة الذكر .

بينما نجد البعض الآخر وبخاصة المشاركين في الحكومة المركزية بضرورة منع حزب العمال التركي من القيام بهجمات ضد الأراضي التركية من الأراضي العراقية , ويعطي الحكومة العراقية الحق في إقامة تحالفات مع دول الجوار باعتبار ذلك من صلاحياتها الدستورية .

والحق إن اجتياح شمال عرافنا العزيز يعد سابقة خطيرة على مستوى العلاقات الدولية  وانتهاكا صارخا لسيادة العراق, وانتهاكا لكل القوانين التي أقرتها الأمم المتحدة, وبخاصة فيما يخص احترام سيادة الدول وحل المشاكل العالقة بالطرق السلمية وتغليب لغة الحوار الدبلوماسي على لغة العنف والتهديد باستخدام القوة, علما إن العراق ليس طرفا مباشرا فيما يحصل في تركيا فليس لديه مشاكل جغرافية أو سياسية مع تركيا , رغم إننا لازلنا نتذكر المؤتمر الذي عقد في تركيا ( لنصرة الشعب العراقي ) والذي كرس لأغراض طائفية الهدف منه زعزعة الوضع الأمني والسياسي في العراق وقد حصل أمام أنظار وبمباركة الحكومة التركية, ولكن ما يحصل اليوم بين أكراد تركيا والحكومة التركية ليس العراق طرفا فيها .

والحق كذلك أن تتحمل الحكومة العراقية  مسئوليتها القانونية والسياسية في التعاطي مع الملف (الكردي_ التركي) في منع حزب العمال الكردستاني من استخدام الأراضي العراقية منطلقا للقيام بهجمات ضد الحكومة والشعب التركي ومن باب ( الزموهم بما الزموا به أنفسهم ) ,فكما إن الحكومة العراقية  تؤكد بأنها ملتزمة بعدم التدخل في شئون الدول مثلما تطالب الدول بعدم التدخل بشان العراقي وعليها اليوم أن تفي بوعودها التي قطعتها لشعبها وللعالم  واقرها الدستور.

إن دخول الجيش التركي بحجة ضرب مقرات الأحزاب الكردية التركية المتطرفة يعطي مبررا للعديد من دول الجوار التدخل كذلك ولنفس الأسباب وبخاصة إيران التي تشن عليها هجمات إرهابية  متكررة من قبل ( منظمة خلق) والتي أدرجت دوليا ضمن المنظمات الإرهابية في الوقت الذي تتلقى  الحماية والدعم من القوات الأمريكية منذ سقوط نظام البعث والى يومنا هذا, رغم مطالبة الحكومة العراقية بطرد هذه المنظمة من العراق ولكن الادارةالامريكية ترفض ذلك بل وكانت تعطيها من الحصة التموينية بقدر حصة العراقيين حتى نهاية حكومة الدكتور الجعفري .

أقول إن الاجتياح التركي الأراضي العراقية سيعطي مبررا كافيا لهذه الدول في تكرار هذه الحالة ,وستصبح الاراصي العراقية أفضل مكان لتصفية الحسابات مع الجماعات المسلحة , كما استخدمتها أمريكا ساحة لتصفية حساباتها مع تنظيم القاعدة , وربما مستقبلا ستحولها إلى ساحة لتصفية حساباتها مع الدول المعادية لأمريكا والتي تسميها الإدارة الأمريكية ( محور الشر ) , ومن يمنع غدا إذا حركت أمريكا بعض الجماعات للقيام بعمليات تخريبية  داخل الأراضي السورية لزعزعة الوضع الأمني والسياسي داخل سوريا عندها يحق لسوريا أن تحذو حذو تركيا وإيران وغيرها من الدول المتضررة من تلك الجماعات المسلحة .

رغم المخاطر الكبيرة من الاجتياح التركي لشمال العراق , إلا انه يمكن أن نستفيد من هذه المخاطر لإعادة حساباتنا من جديد ,وبخاصة الإخوة المسئولين في إقليم كردستان, إذ إن العراق الموحد خير من العراق الممزق, وان حلم الإخوة الأكراد في إقليم فيدرالي يحقق للشعب الكردي طموحاته في حياة حرة كريمة ضمن عراق موحد أفضل , بل أقوى من طموحهم  في دولة كردية مستقلة طالما سمعناها من زفرات الأستاذ مسعود البار زاني ,دولة صغيرة تتضرر منها كل الدول المجاورة  وفي مقدمتها العراق نفسه , كما إن دعم الحكومة ( الاتحادية ) يعطي قوة لهذه الحكومة وللإقليم أيضا في احترام سيادة العراق أرضا وأمة .

كما إن المشكلة أكدت أهمية النظام الفيدرالي ضمن البلد الواحد , إذ إن النظام المركزي إبان البعث قد اتفق مع الحكومة التركية في اجتياح الأراضي العراقية متى ما شاءت ومن دون اخذ موافقة الشعب العراقي والكردي بصورة خاصة بينما في النظام الفيدرالي نجد أن الأصوات والضغط على الحكومة الاتحادية في ضرورة منع الأتراك في القيام بهذا العمل كما إن الحكومة ملزمة بالتشاور مع حكومة الإقليم فيما يجب الأخذ به قبال التداعيات التي تهدد الأمة العراقية .

أنها فرصة لإعادة النظر من الجميع من اجل العراق الفيدرالي الموحد

 

Alatwani62@yahoo.com