The Ghosts’ War

<--

اجتماع وزراء الداخلية والعدل الأوروبيين، عشية مسيرة باريس الكبرى، والإعلان عن نيّة الرئيس الأميركي باراك أوباما الدعوة إلى قمة عالمية لمناقشة موضوعة الحرب على الإرهاب، كل ذلك يعزّز العودة، مرّة أخرى، إلى الأجواء التي سادت غداة أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، في ظل الحملة العسكرية التي تُشنّ على تنظيم “داعش”، والتي يفضّل البعض وصفها بـ”الحرب العالمية الثالثة”.

الحرب الراهنة ليست كالحربين العالميتين السابقتين؛ إذ اكتسبت وصف “العالمية”، لأنّها تمتد على رقعة واسعة من المعمورة، لكنّها ذات طبيعة خاصة. وفي كثيرٍ من الأحيان، يبدو أنّ هذه الدول والأجهزة الأمنية والطائرات والجيوش، تقاتل “شبحاً” أو كائناً هلامياً قادراً على إعادة التشكّل والتموضع بسهولة، بل قادر على التكيّف مع الظروف المعقّدة التي لا تمتلك جيوش كبرى إمكانات التفاعل معها أو مواجهتها، مثلما هي حالة “الحرب المركّبة” التي يخوضها “داعش” وأنصاره في مختلف دول العالم اليوم.

التركيز ما يزال في جهود الدول بالحرب على النتائج والمخرجات، وليس على الشروط والأسباب التي تقف وراء صعود هذا التنظيم. فالحديث في اجتماعات الأوروبيين يتركز على بناء قاعدة بيانات مشتركة، وإعادة النظر في اتفاقية “تشنغن” (الخاصة بالتأشيرة الأوروبية الموحدة)، وتعزيز الرقابة الحدودية وإجراءات التنقل. وهذه إجراءات يمكن أن تحدّ جزئياً من ظاهرة المتسربين إلى ذلك التنظيم، لكنّها ليست حلاً ناجعاً ولا شافياً. فهناك أساليب متعددة تلجأ إليها هذه الشبكات للتحايل على تلك الإجراءات، كما أنّ سرعة التجنيد واعتماده على الإنترنت بدرجة كبيرة، يجعل من مسألة معرفة المرشحين ومتابعتهم في غاية الصعوبة!

الأهم من هذا وذاك، أنّك تستطيع منع هؤلاء من السفر، لكنّك لن تمنعهم من الانتماء إلى هذا “النموذج” الأيديولوجي، وبدلاً من أن تكون القنبلة الموقوتة خارج أراضيك، ستكون في أحضانك. وهذا ما حدث، تحديداً، في كندا، عندما قام أحد هؤلاء (ممن منعتهم السلطات من المغادرة إلى كندا) بتنفيذ عملية انتقامية. ويبرز هذا خصوصاً من حقيقة أنّ تنظيم “الدولة”، ومعه فروع “القاعدة”، يتبنون اليوم ما يسمى بـ”الجهاد الفردي”، وما يطلق عليه الخبراء اسم “الذئاب المنفردة”؛ فيستطيع أي شخص يتبنى هذه الأفكار عبر شبكة الإنترنت، من تجهيز نفسه بأدوات بسيطة والقيام بعملية منفردة، بعد أن يعلن انتماءه وولاءه لهذه التنظيمات، كما رأينا في باريس أو قبلها في سيدني وفي كندا، وفي وقت سابق في الولايات المتحدة الأميركية.

من زاوية أخرى، فإنّ الولايات المتحدة قد تستطيع أن تحدّ، فعلياً، من قدرات التنظيم في العراق وسورية، لكنّ المشكلة اليوم تتجاوز الشكل الراهن إلى ما نسميه بـ”النموذج”. فهذا الفكر أصبح بمثابة رسالة أو فيروس ينتشر في الهواء مع شبكة الإنترنت إلى العالم بأسره؛ فحتى لو تم القضاء على التنظيم في مكان، فإنّ نموذجه سيظهر في مكان آخر، طالما أنّ الأسباب والشروط المنتجة له موجودة ومتوافرة!

الزبدة تتمثل في أنّ المنسي في هذه الحرب العالمية، هو النظر إلى خلفية “العدو” ومصادر قوته الحقيقية، والتعامل مع الشروط والعوامل لا النتائج فقط. وجملة القول هي أنّ هناك مشكلا مركزيا كبيرا في المنطقة العربية، وأزمة تاريخية في المجتمعات السُنيّة، ومن دون النظر إلى هذا الثقب الأسود، وأحد مفاتيحه الأنظمة السلطوية الدكتاتورية المريضة والإصرار على أنماط حكم خارج العصر؛ وطالما أنّ العالم يشيح بوجهه عن هذا السبب الجوهري، فإنّ الصراع سيستمر أشبه بمواجهة غير منطقية مع أشباح قادرة على الاختباء والظهور في مكان وزمان آخرين

About this publication