American’s Hesitant Posture Is a Threat to the World

<--

تواصل الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس ترامب سياساتها المترددة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو خارجها، تلك السياسات التي باتت تمثل تهديدا حقيقيا لأمن المنطقة والعالم. فالدولة تغير قراراتها وسياساتها بشكل ليس له مثيل في التاريخ الأميركي، وبطرق باتت تضر بصورة الولايات المتحدة كدولة قائدة في العالم، وتسيء لدورها في المنطقة، وتفقدها ثقة شركائها التاريخيين، وتدفعهم للاستعانة بشركاء آخرين لتحقيق الأمن والاستقرار المفقود. ليس هذا فحسب، بل وتسببت تلك السياسات في حالة من البلبلة للمجتمع الدولي الذي لم يعد يعرف بوصلة السياسات الأميركية وما الذي تهدف إلى تحقيقه، فالإدارة الأميركية التي انسحبت من مناطق تمركزها على الحدود السورية ـ التركية عادت إليها مرة أخرى وبأعداد أكبر من ذي قبل، كما وتخلت الإدارة الأميركية عن أغلب الاتفاقات التي سبق ووقعت عليها إدارة الرئيس باراك أوباما وبالأخص الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية المناخ الموقعة في باريس عام 2015، إلى غير ذلك من سياسات وقرارات تضر بالأمن العالمي.

كل تلك السياسات وغيرها تربك الحسابات الإقليمية والدولية، وتدفع المجتمع للتساؤل عن ماهيتها ومن المتحكم فيها؟ هل الإدارة الأميركية أم المؤسسات المعروف عنها الحكمة والرشاد في اتخاذ القرارات؟ إذ صاحب انسحاب القوات الأميركية من قواعدها العسكرية في شمال شرق سوريا موجة صاخبة من الانتقادات للإدارة الأميركية تتهمها بالتخلي عن شركائها الأكراد، والتي ردت الإدارة الأمريكية عليها بأنها ليست هناك للدفاع عن أحد، وأنها لن تعرض أمن الجنود الأميركيين للخطر، ولكن بعد أن أتم الأتراك مهمتهم، أعادت تلك القوات انتشارها في عدد من القواعد العسكرية شمال شرق سوريا، إذ تمركزت القوات والتي تقدر بنحو 1000 جندي في ثلاث قواعد رئيسية، أبرزها قاعدة ومطار السبت وصوامع بلدة صرين بريف حلب الشرقي، وفي قاعدة الجزرة المحاذية لمدينة الرقة التي

كانت مركزا للعمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش” في وقت سابق، كما انتشرت في قاعدة قرب مدينة القامشلي.

ويعكس هذا إن صح التحليل مدى الارتباك في صناعة القرار الأميركي، خصوصا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، إذ في الوقت الذي صرح فيه ترامب بسحب القوات من سوريا حفاظا على أمنهم، كانت هناك دفعة أخرى من القوات والمعدات في اتجاهها إلى الإمارات والمملكة العربية السعودية، الأمر الذي جعل رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي تتهكم على قرارات ترامب بإرسال قوات ومعدات عسكرية إلى السعودية والإمارات.

ولم تمضِ فترة طويلة على هذه القرارات حتى أعادت الإدارة الأميركية قواتها وبأعداد أكبر إلى سوريا مرة أخرى، ما دفع العديد منا لمحللين للتساؤل عن سبب هذا؟ وما إذا كان بضغط من الكونجرس الأميركي الذي أدان قرار الانسحاب منذ البداية؟ أم بهدف السيطرة على منابع النفط السورية ومنع الحكومة السورية والروس من الاستفادة منها؟ أم لتحجيم النفوذ التركي، وإيصال رسائل للروس والحكومة السورية بأن وجود الولايات المتحدة في سوريا قائم ولن يتغير بل سيتوسع في الفترة المقبلة؟ أسئلة كثيرة ليست لها إجابات سوى أن هناك حالة من التخبط في القرارات الأميركية يدفع ثمنها المجتمع الدولي.

ولا تختلف القرارات الخاصة بسوريا عن القرارات الأميركية الأخرى، خصوصا تلك المتعلقة بالانسحاب من اتفاقية المناخ بزعم أنها تؤثر على التجارة والصناعة الأميركية وتعطي ميزة للأطراف الأخرى، دون أن يتم تحديد تلك الميزة التي يحصل عليها الآخرون ولا تحصل عليها الولايات المتحدة، ولا حتى كيف تؤثر على الصناعة والتجارة الأميركية، ما يعني أن الولايات المتحدة لم تعد تلقي بالا بحقوق شعوب العالم بما في ذلك الشعب الأميركي الذي يتضرر أيما ضرر بسبب المناخ السيئ الذي يضرب مناطق عديد من العالم، ويتسبب في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وما حرائق الغابات بالبرازيل وتفكك الجليد في القطب الشمالي إلا نتيجة لعدم التزام دول العالم المتقدم باتفاقيات المناخ.

وإذا انتقلنا إلى إيران التي بدأت التخلي عن التزاماتها بشأن الاتفاق النووي الموقع مع الإدارة الأميركية السابقة، وقلق المجتمع الدولي بسبب إعادة إنتاج اليورانيوم من جديد وبكميات أكبر من ذي قبل، وعجز الإدارة الحالية عن ثني إيران عن تحقيق أهدافها الخاصة بإنتاج القنبلة النووية بالرغم من الحصار الخانق المفروض عليها، لأدركنا مدى ما تسببه الإدارة الأميركية الحالية من تهديد حقيقي لأمن العالم وليس فقط منطقة الشرق الأوسط، ما يعني أن ترك العنان لإدارة ترامب لتطبيق سياساتها التي ثبت فشلها حتى الآن في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية سوف يكبد المجتمع الدولي خسائر فادحة، وقد لا يستطيع بعد انتهاء فترة حكم ترامب التعامل مع تلك الأزمات والقلاقل التي تتفاقم يوما بعد آخر، وتنذر بعواقب وخيمة قد يعجز الجميع عن معالجة تداعياتها في المستقبل.

About this publication