Kerry Eats Falafel in Ramallah

<--

لمحمود درويش قصيدة عنوانها: “سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا” تلك القصيدة التي توظِّف قضية الفلسطيني سرحان سرحان مع المرشح المغتال للرئاسة الأمريكية، روبرت كنيدي. كان كنيدي أقوى مرشحي الرئاسة الأمريكية وأكثر المرشحين تحمساً وتأييداً لـإسرائيل. ويروى عنه أنه صرَّح في أحد المحافل اليهودية، وقد حضر من لقاء ببعض الدبلوماسيين العرب في أمريكا، وقد شرب القهوة العربية صرح، قائلاً: “دعوني قبل أن أحدثكم أغسل فمي، لأنني شربت قهوة عربية قبل قليل” .

وهذه المرَّة زار وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري رام الله، وتناول، على غير عادة المسؤولين الأمريكيين الطعام والحلويات والقهوة العربية في مطعم فلسطيني، مختلطا بالناس، كنوع من التجديد ربما، في شكل العلاقة الأمريكية الفلسطينية، أو كنوع من التعويض عن التوقُّف في العملية التفاوضية.

وربما نتجاوز المقارنة بين المرشح الأسبق للرئاسة، كنيدي، وبين الرئيس باراك أوباما، وإدارته، بمن فيها كيري، من جهة التأييد لإسرائيل، فتلك مسألة ثابتة في السياسة الأمريكية. مع أن هذه الإدارة تحاول الظهور بمظهر الحريص على استئناف مفاوضات السلام، والمساعدة على التقريب بين الطرفين، وكان آخر ما حققته هو تعديل الجامعة العربية “المبادرة العربية” لتشمل الموافقة على تبادل الأراضي، الأمر الذي اعتبر تخليا عن حدود 67 كمرجعية في ترسيم الحدود بين “إسرائيل” و”الدولة الفلسطينية” الموعودة.

لكن إدارة أوباما تدرك، مع إقرارها، صراحة، وعلى لسان كيري الذي يكثّف اهتمامه بالملف الفلسطيني الإسرائيلي، بوجود “تشكك كبير في إمكانية استئناف محادثات السلام بين الجانبين” تدرك مع ذلك، أهمية ملء الفراغ، ولا سيما في هذه الأحوال الحساسة في المنطقة العربية، من مصر إلى سورية، كما يعتري إسرائيل قلق ضروري، من وجهة الأحداث، ومصير مصر، ومستقبل سورية، وأوضاع الأردن غير المستقرة… فلا بدَّ من أن يُسعِد النطق، إن لم يُسعِد الحالُ، ولا بدَّ من محاولات، أو مؤشرات على تحسن في حياة الفلسطينيين، ولو في المجال الحياتي في اليوميِّ، كالتنقُّلات، وفي المجال المعيشي، فهذه اللفتة الرمزية التي قام بها كيري، في شوارع رام الله، (العاصمة الاقتصادية) للسلطة الفلسطينية، لا تخلو من إشارة على مبلغ الآمال الأمريكية في هذه المرحلة.

فهل هذا التتابع لزيارة رأس الدبلوماسية الأمريكية، إلى المنطقة، يدل على توجهات أمريكية للانصراف عن المنطقة، والشرق الأوسط؟!

بالطبع، لا، تبقى هذه المنطقة لغير سببٍ في صُلْب الاهتمامات الإستراتيجية لواشنطن، صحيح أن درجة انخراطها في قضاياها قد خفَّت، أو تغيَّر شكل قيادتها، من قيادة متفردة، واستباقية، في عهد بوش الابن والمحافظين الجدد، إلى “قيادة من الخلف”، كما يقال، وقيادة متعاونة، في عهد أوباما.

ولكن من الصعب التصديق أن مناطق نفوذ أمريكا تتركها لغيرها، مجانا، وهي لا تزال لم تنعطف تلك الانعطافة الإستراتيجية نحو العزلة عن القضايا الدولية.

ولكن هذه السياسة الأمريكية تتعرض لانتقادات واسعة وهزة عميقة على خلفية تعاطيها مع الأوضاع في سورية، إذ تترك الأطرافَ تضعف بعضها، وتنهك بعضها؛ لتصل إلى (الحل الأكثر واقعية) والأقل احتمالا للعناصر غير المرغوب فيها من مثل سيطرة “جبهة النصرة” ومن على شاكلتها من “الإسلاميين الراديكاليين” أو “الجهاديين” على السلطة، أو احتفاظهم بقسم من البلاد.

لا يخفى أن الحلول النهائية مؤجلة، للصراع العربي الفلسطيني، والقضية الفلسطينية هذا إن تحققت، وهذا التأجيل كان قبل بداية التغيرات العميقة، في المنطقة العربية، بعد أن اتسعت الهوَّة بين مطالب الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، من اشتراط يهودية الدولة، إلى قضايا الحل النهائي كاللاجئين أو “حق العودة”، والقدس والحدود، وغيرها ، كمصير المستوطنات، والمياه… وبعد أن تأكَّد واستمرَّ توجُّه الإسرائيليين نحو اليمين واليمين المتطرف، ما أدى إلى تراجع الثقة بالحلول السلمية، فكثرت الأصواتُ المنادية بحلول مؤقتة، ورفض الدولة الفلسطينية بحدود 67 أو بحدود واضحة..

وكان في مبررات هذه الرؤية ضعفُ الثقة بالقيادة الفلسطينية، وعلى رأسها أبو مازن، ولا سيما بعد إخفاقه في استرجاع قطاع غزة، وفشل محاولات إسقاط حكم “حماس” هناك.

وجاء المخاض العربي العسير هذا ليزيد من المخاوف في طرف السياسيين الإسرائيليين، ويغذِّي حذرهم، وتوجساتهم، من قدرة النظم العربية الراهنة على إبرام صلح تاريخي مع إسرائيل، وهي تواجه تحديات داخلية حقيقية، قد تطيح بها، في قابل الأيام، أو تضعف من سلطاتها، وتزيد من حضور الشعوب.

وإذا كانت إسرائيل لم تبرم اتفاق سلام مع مصر( وظل باردا) إلا بعد حرب أكتوبر، ولم تتراجع عن احتلال شبه جزيرة سيناء إلا بعد ضغط كبير، وبشروط تنقص من السيادة المصرية، على أهمية مثل ذاك السلام مع أكبر دولة عربية، في تلك الفترة من تاريخ الصراع، فإن المراهنة على حلول شاملة يبقى أمرا أقرب إلى الأمنيات. وكيري في هذه المرحلة يشكك بمجرد استئناف المفاوضات!

About this publication