A Malicious Question

<--

يتجسد الآن انهيار الرؤيا الأميركية في العراق على نحو لا يقبل الشك، نظراً لما وصل اليه العراق اليوم من تفكك وإخفاق لحكوماته المتعاقبة التي برهنت على نحو لا يقبل الشك إمكانية تقويض الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان بأدوات الفساد والعنف والطائفية، وهي الأدوات التي قادت الى احتلال ما تسمى بـ”الدولة الإسلامية” ما يقارب نصف مساحة العراق، بعد أن اضافت بلدة الرمادي وجميع البلدات بينها وبين حدود العراق الغربية الى رصيد هيمنتها السابق.

لقد تجسد إخفاق الرؤيا الأميركية في العراق في سؤال وجهه صحفي حاذق الى السيد “جيب بوش” Jeb Bush، إبن الرئيس السابق جورج بوش وشقيق الرئيس الثاني المنحدر من ذات العائلة، اي بوش الابن. هزّ السؤال المرشح الجمهوري القادم للبيت الأبيض، أي “جيب بوش” المذكور أعلاه، فتركه متلعثماً بلا قدرة على تقديم إجابة شافية، لائذاً بادعاء ان السؤال افتراضي لا تمكن الإجابة عليه على نحو دقيق. كان السؤال هو: هل كان احتلال العراق خطأ؟ وهل كنت ستقدم على إحتلال العراق بعد أن تبين للجميع بأنه كان خطأ؟

المحرج في هذا السؤال هو شيوع الرأي الأميركي العام بأن عملية احتلال العراق كانت خطأ استراتيجيا، خاصة بعد أن تأكد عدم وجود لأسلحة الدمار الشامل، وبعد أن تأكد بأن تضحيات الولايات المتحدة، المادية والمعنوية، في العراق لم تأت أكلها قط، خاصة بعدما استنفد الأميركان إمكانيات بقائهم العسكري في العراق فاستبدلوها بمهمات الإشراف والتدريب لتأهيل القوات العراقية الجديدة للحلول محلها.

الطريف هنا هو أن الصحفيين الأميركان، وهم معروفون بافتتانهم بالأسئلة المحرجة، قد أمسكوا بالسؤال أعلاه وتشبثوا به ليس فقط لإحراج المرشح الجديد من آل بوش، بل كذلك لإحراج جميع المرشحين الجمهوريين الأكثر احتمالاً للفوز، إذ لا يمكن لأي مرشح رئاسي جمهوري أن يعترف على الملأ بأن قرار آخر رئيس جمهوري، أي الرئيس بوش الابن، باحتلال العراق كان خطأ، بل وخطأ يصعب تصحيحه وتجاوزه بسهولة، بعدما كلف الاحتلال الشعب الأميركي من أعباء كبيرة لم يزل ينوء تحت ثقلها حتى اللحظة. وهكذا صار السؤال الأول أعلاه بمثابة المصيدة لكل مرشح رئاسي جمهوري، كما كانت عليه الحال مع المرشح الجمهوري، السيد “ماركو روبيو”، إذ أنه راح يبتلع ريقه لعدم إمكانية الاعتراف على الملأ بأن رئيسه الجمهوري السابق، بوش الابن، قد ارتكب خطأً تاريخياً باحتلال العراق. لذا فقد لاذ “روبيو” كما فعل منافسه “جيب بوش” بالإعلان المستهلك الذي يبرر الاحتلال، وهو ” أن العالم الآن أفضل مما كان عليه لو أن صدام حسين قد بقي في السلطة”، وكأن إسقاط الرئيس السابق كان هو الغاية النهائية والقصوى لاجتياح العراق واحتلاله وتسليمه للقوى الطارئة التي دأبت على سحب أقدام الإدارة الأميركية الى تلك العملية الخطيرة.

بل أن الأخطر اليوم يتمثل في رعب الخبراء الأميركان من ذهاب جهود تدريب القوات العراقية الجديدة سدى “مع الريح”، بعد ملاحظة انسحاباتها غير المنظمة لحظة الشعور بخطر مواجهة حقيقية مع مسلحي داعش. بل أن الأكثر خطورة حتى على مستقبل أميركا استراتيجياً وعسكرياً يتمثل في أن المسارعة في انسحابات القوات العراقية أمام مسلحي داعش قاد الى تقديم جميع تجهيزات القوات العراقية وتسليحها هدايا مسلفنة للمسلحين أعلاه.

وهكذا راح سؤال خطأ أو صحة قرار احتلال العراق يتبلور سؤالاً كيدياً، هو غاية ما يخشاه كل واحد من المرشحين الجمهوريين الذين كما يقول المثل العراقي راحوا “يبتلعون الموس”، أي الشفرة عندما يحاولون إيجاد الإجابة المقنعة عما إذا كان القرار صحيحاً أم خطأ.

About this publication