The Trade War Between China and the United States

<--

النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة

تتبادل الصين والولايات المتحدة حرب رسوم جمركية بينهما، في تطور سلبي للعلاقات التجارية والسياسية بين البلدين العملاقين يبدو أنه يجر العالم إلى أزمة اقتصادية وسياسية كبرى، فقد بلغ الاعتماد التجاري والاقتصادي بين الدول مستوى من التداخل والتكامل لم يعد يحتمل العودة إلى أنظمة الحماية، وقد تضررت دول واقتصاديات وصناعات كثيرة بسبب هذه العولمة التجارية والاقتصادية، فالمصنعون والسياسيون المحافظون يقولون إن الولايات المتحدة فقدت أكثر من 300 مليار دولار حقوق ملكية فكرية، وفقد الأميركان كثيرا من وظائفهم وأعمالهم بسبب المنافسة التي لا يحتملونها، ويقول ترامب إن السياسات الحمائية الجديدة تعود على الاقتصاد الأميركي بعوائد كبيرة، لكنها عوائد متأتية من الرسوم الجمركية التي يدفعها الأميركان وليس الصينيون، كما بدأ انخفاض ملموس في الطلب على السلع بسبب ارتفاع كلفتها، وسوف يتضرر المزارعون الأميركان والمدن التي تعتمد على التجارة الدولية، فالصين فرضت اجراءات ورسوما جمركية على الواردات الأميركية.

يقول ترامب إن المصانع الأميركية سوف يكون في مقدورها المنافسة وتوفير البديل للسلع الصينية، لكن ذلك يستغرق وقتا طويلا، كما أن الكلفة المنخفضة للمنتجات الصينية تجعل لها أفضلية يصعب تجاوزها بسبب الأجور والكلف المرتفعة للإنتاج في الولايات المتحدة الأميركية، كما أن الصين قوة تجارية وصناعية راسخة يصعب استبدالها أو الاستغناء عنها.

وفي تجربة أميركية سابقة فرض الرئيس الأميركي في العام 2009 رسوما جمركية بنسبة 35 في المائة على إطارات السيارات الصينية مؤملا أن ينعش سوق الوظائف الأميركية، ولكن أسعار الإطارات الأميركية كانت تباع بسعر مرتفع يفوق بنسبة كبيرة أسعار الإطارات الصينية، وقدرت الكلفة الإضافية التي تكبدها المستهلكون الأميركان في العام 2011 بألف ومائة مليون دولار.

الصينيون يعانون أيضا، فالاقتصاد الصيني يتباطأ، وتصدر الصين إلى الولايات المتحدة أكثر مما تستورد منها، لقد دخلت العلاقات الصينية الأميركية لم تعد تحتمل العداء والقطيعة، وليس أمام الدولتين سوى التعاون والتنافس في آن معا.

وربما تكون المسألة ببساطة أن السياسات الترامبية ليست سوى عمليات سياسية انتخابية تجتذب تأييد الناخبين اليمينيين، ويعرف ترامب أن آثارها ستبدأ بعد فترة لا تقل عن سنتين إلى ثلاث يكون في أثنائها قد جنى مكاسب اقتصادية سريعة كما كسب المعركة الانتخابية، وبعد ذلك سيعود إلى معالجة الأزمة أو يتركها لمن يأتي بعده، تماما كما فعل جورج بوش الابن عندما ادخل الولايات المتحدة والعالم في أزمة مالية واقتصادية كبرى، وغادر الرئاسة تاركا أوباما يغرق فيها، وكما فعل أيضا جورج بوش الأب الذي قاد البلاد إلى أزمة اقتصادية أدت إلى انتخاب منافسه الديمقراطي بيل كلينتون رئيسا، والذي تميزت حملته الانتخابية بمقولة “إنه الاقتصاد يا غبي”

وبالطبع فإن المسألة الصينية الأميركية لا تتوقف على البلدين لكنها تمتد إلى الاقتصاد العالمي، الذي يشهد تباطؤا مزعجا، ويواجه تحديات أخرى ناشئة عن التحولات الكبرى في التكنولوجيا والتي تغير جذريا في الصناعات والأعمال والوظائف، وتدفع بفئات كثيرة من الناس إلى البطالة، كما تؤدي إلى الاحتكار وتركز الثروة بيد فئة قليلة جدا من أصحاب الأعمال.

هل فقدت الولايات المتحدة المبادرة ولم تعد قادرة على قيادة العالم؟ هل ستتحول الصين في هذا الصراع إلى قوة عظمى سياسيا؟ إذ طالما نأت الصين بنفسها عن الانغماس في السياسة العالمية، لكنها تعيد المشهد الأميركي نفسه قبل مائة سنة، عندما صعدت الولايات المتحدة اقتصاديا وتجاريا وظلت تعزل نفسها عن السياسة العالمية، لكن لا يمكن للتقدم الاقتصادي أن يستمر وحده فلا يحميه ويعززه سوى تقدم سياسي والتزام عالمي، وهو أمر ليس سهلا أيضا، فيحتاج من الصين أن تجعل من نفسها ذات جاذبية حضارية عالمية، وأن تنفق على السياسة والالتزامات والمنظمات العالمية.

الهند تصعد في هذا الصراع وتواصل نموها الاقتصادي السريع، وهي بديمقراطيتها وقوتها السكانية قابلة لأن تكون قوة عظمى وقائدة للعالم سياسيا وحضاريا، لكن ذلك يحتاج ربما إلى خمسة وعشرين عاما على الأقل!

About this publication