Are Economic Sanctions Useful?

<--

جدوى العقوبات الاقتصادية

الحرب بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا لم تبدأ يوم الخميس الماضي، بل بدأت منذ سنوات عندما أشارت روسيا إلى أن شبه جزيرة القرم أرض روسية، ولكن القدرة التكتيكية للرئيس الروسي جعلت العالم ينسى تلك التلميحات، بينما الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لم تنس واستمرت في جذب أوكرانيا ودعمها بالخبراء والأسلحة والنّظم المتطورة بنيّة جعلها تدور في الفلك الأمريكي الغربي، أو في دائرة حلف الناتو. ومن دون أدنى شك، كان الرئيس الروسي يراقب ويعلم حجم الرغبة الأمريكية في التّمترس على الحدود الروسية، وحين بلغ السيل الزبى، وأرادت الولايات المتحدة تكرار ما فعلته في أفغانستان في أوكرانيا، من حيث التواجد العسكري والاستراتيجي والتخطيط للبقاء لأمد طويل، تحرّك الدب الأبيض، وكان تحرّكه أيضاً في قمة الذكاء، إذ بدأ لعبته بالاعتراف بمنطقتين انفصاليتين هما دونيتسك ولوغانسك، ورصد ردة الفعل الأمريكية والغربية، وعندما وجد أنها لا تتجاوز الكلام، قرر القيام بتحرك عسكري فعلي، ليعيد أوكرانيا إلى الحاضنة الروسية كما يعتقد، غير عابئ بالعقوبات التي لوّحت بها الولايات المتحدة والغرب بشكل عام.

لعل من المفيد القول إن الوقوف الأمريكي المستميت إلى جانب أوكرانيا، ومحاولاتها الدؤوبة لوضع قدمها في كييف، ليس من أجل عيون أوكرانيا، وإنما لأن هذا البلد يمتلك كميات هائلة من اليورانيوم الخام، إضافة إلى الاحتياطي الهائل من التيتانيوم، ويحتل المركز الثاني في العالم من حيث الاحتياطيات المستكشفة من المنغنيز، ولديه ثاني أكبر احتياطي عالمي من الحديد الخام والزئبق، كما أن أوكرانيا تحتل المركز الثالث في أوروبا في احتياطي الغاز الصخري، وتحتل مراكز متقدمة جداً في الصناعات واستخراج الزيوت، إضافة إلى منتوج القمح الهائل وغيرها، لهذا تشكل أوكرانيا أرضاً خصبة للولايات المتحدة، ناهيك عن موقعها على حدود روسيا.

والولايات المتحدة وأوروبا والعالم كله يعرف هذه المعلومات، لهذا سيكون الصراع مريراً وطويلاً، ومن الصعوبة بمكان التنبّؤ بما ستؤول إليه الأمور، لكن الرئيس الروسي بدا واثقاً جداً وهو يعطي العالم درساً في التاريخ، مقابل رد الفعل الأمريكي، الذي قد لا يتجاوز التهديد بالعقوبات الاقتصادية، ولو كانت العقوبات ستؤثر في الحياة في روسيا لما أقدم بوتن على غزو أوكرانيا.

وتاريخ التلويح بالعقوبات الأمريكية ضد دول كثيرة معروف للجميع، وفشلها معروف أيضاً، وقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت على إيران عقوبات شديدة، لكن الأخيرة استطاعت الالتفاف حولها، ونُشرت تقارير عديدة عن كيفية قيام إيران باستيراد معدات ثقيلة عن طريق تجزئتها، وجلب القطع من أكثر من بلد، ولم تستطع إسقاط النظام الإيراني، لأنها في الأساس لا تريد إسقاطه.

وفي الماضي القريب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شخصيات لبنانية تابعة لحزب الله، وشخصيات أخرى تدور في فلكه، وشخصيات اتهمتها بالفساد والمسؤولية عن تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، وكذلك فرضت أمريكا عقوبات اقتصادية على سوريا من دون نتيجة، وعلى كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، وتعرّض السودان في عهد الرئيس عمر البشير لعقوبات اقتصادية ولم تغير النظام سوى سواعد الشعب السوداني. وعلى الرغم من الفشل الذريع تواصل الإدارة الأمريكية في عهد بايدن سياسات أسلافه، وتؤكد أن العقوبات تتطلب فترة من الزمن حتى تأتي ثمارها، عندئذ، يكون بوتين قد احتل أوكرانيا وغيّر النظام السياسي فيها، وعادت إلى أحضان الكرملين.

إن كلامنا هذا لا يعني تأييد بوتين، ولا يعني التحريض على شن حرب على روسيا، لأن في ذلك دمار البشرية وإنجازاتها، خاصة إذا تم استخدام أسلحة الدمار الشامل، إنما الإشارة إلى ميوعة السياسات الأمريكية أحياناً في التعامل مع الأزمات الكبرى، فهل قررت أمريكا إطالة أمد الصراع في المنطقة الباردة عن طريق دعم المناهضين لبوتين، أو التمهيد لعقد صفقات أسلحة جديدة؟ كل الاحتمالات واردة مع دولة تسيطر على مجلس الأمن ولم تستطع حل قضية أكل عليها الدهر وشرب، كقضية الشرق الأوسط، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

About this publication